محمد راغب الطباخ الحلبي
301
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
إذ ذاك شاغرة منذ تحول باكير إلى القاهرة بعد إشارة شيخه البرهان عليه بالدخول فيه بقصده الجميل ثم كتابة سرها ونظر جواليها عوضا عن الزين ابن الرسام في يوم الاثنين مستهل ذي القعدة سنة ثمان وأربعين بالبذل مع عناية صهره الولوي السقطي وكان قد تزوج ابنته بعد موت ابنة ابن خطيب الناصرية ، بل استقر أيضا في نظر جيشها وقلعتها والجامع الكبير النوري ، وكذا في تدريس الجاولية والحدادية والتصدير بالجامع وخطابته مما تلقى بعضه عن صهره الأول وما يفوق الوصف بحيث صارت أمور المملكة الحلبية كلها معذوقة به ولاية وإشارة ، وعظمت رياسته وتزايدت وضخمت واشتهرت كثرة جهاته وكفاته بما يناسبها من صفاته ، فانطلقت الألسن بذكره وانجر الكلام لما لا خير « 1 » في إشاعته ونشره ولم ينهض أحد لمقاومته ولا التجري على مزاحمته ، خصوصا مع تمكن صهره من الظاهر وانقياد العظماء لبأسه القاهر . فلما انخفضت كلمته وزالت طلاقته وبهجته تسوّروا لجانبه وكاد أن يدفع عن جل مآربه ، فبادر قصدا للخلاص من الضير إلى الانتماء للنحاس المدعو أبو الخير ، في أيام علوه وعزه لينتفع بإشارته ورمزه ، فلم يلبث أن انقلب على النحاس الدست ورمي من جميع الناس بالمقت ، كما هي سنة اللّه بالجبابرة ومنة اللّه على الطائفة التي بالحق قاهرة ، وظهر أن الجمال وكان صنيعته قد تأثر حيث انجمع عن مساعدته ، بل ما خفي أكثر . ويقال إن الأمير قاسم هو الكافل بإلفاته عنه والقائم . وتوالت المحن بصاحب الترجمة ، وربما ساعده البدر قاضي الحنابلة بماله من السلطنة ونفوذ الكلمة ، واستمر في المكابدة ومزيد المناهدة ، مما أضربت عن إيراده ببسيط العبارة واكتفيت بما رمزت به في هذه الإشارة ، خوفا من غائلة متساهلي المؤرخين في الإقدام على إثبات ما قد لا يوافق الواقع بيقين ، واختلاف الأغراض في الحوادث والأعراض ، سيما وقد رأيت المحب صار يتتبع الكثير مما أثبته بعضهم فيه بالكشط بدون ملاحظة لاستمرار التئام الذي له المؤرخ خط ، وربما أثبت غير اسمه أصلا لكونه يرى أنه ليس لذلك أهلا ، ولكن رأيت العيني قال حين استقرار المحب في جملة وظائف : إنه استقر فيها بعد حمله من الأموال الجزيلة والهدايا الجليلة ما يطول شرحه ، وعز ذلك على أهل بلده . قال : ولم يتفق قط مثل هذا في حلب ، ولكن بالرشا يصل المرء في هذه الأزمان إلى ما يشا ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : ( لعن اللّه الراشي والمرتشي ) .
--> ( 1 ) في الأصل : بالأخير ، وهو تصحيف .